ابن عساكر
مقدمة ودراسة 2
معجم الشيوخ
مأثورات وطرق انتهجها رسولنا صلّى اللّه عليه وسلم وتبعها صحابته ، فنحن نتلمس آثارهم لنقتفيها . . ومن خلال البحث عن السنة والتثبت من أمرها والتفقه فيها ، ومن حول هذا البحث نبتت أشجار وفسائل لعلوم عدة منها التاريخ وعلم الحديث وعلم الرواية والأسانيد وعلم تمييز صحيح الحديث من موضوعه ، ومعرفة الرجال ودراسة أحوالهم لتمييز الصالح من الفاسد ، والموثوق من الضعيف ، والضابط من المخلّط . . . وما كان لأحد أن يخوض في هذا الخضم ما لم يحدد سلاحه وعدته ، وما لم يعرّف الناس بمن أخذ عنهم العلم ، فقد كان أسلافنا شديدي الحرص على توثيق المعلومات عامة ، وما يتصل منها بالدين خاصة ؛ فكان أحدهم إذا روى خبرا أو أتى بعلم يتوجب عليه أن يبين من أين أتى به ، وكيف وصل إليه . وإذا كنا في زماننا هذا نعتز باسم المؤسسة العلمية التي انتسبنا إليها وتلقينا فيها علومنا ، ونلنا منها إجازاتنا ، ونبرز الشهادات الموثّقة التي تثبت ذلك ، فقد كان علماؤنا أيضا يعتزون بشيوخهم وأساتيذهم ، ويبرزون للناس الإجازات التي حصلوا عليها منهم . . وكما يحرص أحدنا على جمع شهاداته العلمية وتسجيل كل منها بدرجته ومكانه وزمانه ، كانوا هم أيضا يحرصون على تسجيل أسماء شيوخهم وتحديد أماكن التقائهم بهم ، وتدوين العلم الذي أخذوه عنهم . وشاع هذا الأمر فيهم ، وخاصة عند من كان منهم عاملا في مجال علم الحديث لكي يكون ذكرهم لمشايخهم شاهدا على صحة نقلهم للعلم عنهم ودليلا على اتصال إسناد ما يروونه إلى قائله الأول ، سواء أكان سيدنا محمدا صلّى اللّه عليه وسلم أو أحد صحابته أو التابعين أو الخلفاء أو الملوك أو العلماء . . . فقد كانوا في كل ذلك يحرصون على اتصال إسناد العلم من مبلغه الأخير إلى مبدعة الأول .